
(الحلقة الثانية).. وزارة الشباب والرياضة
ناسف لتاخير نشر المادة بسب فصل الكهرباء حتي كتابة السطور والمادة نعيش في ظلام وحالة صعبة جدا لاتوصف حلقة اليوم عن وزارة الشباب والرياضة .
لم تحظ الحركة الرياضية والشبابية في السودان، منذ الاستقلال، باهتمام يرقى إلى حجمها وأهميتها، غير أن التهميش بلغ ذروته خلال عهد حكومة الإنقاذ التي امتدت لثلاثة عقود. فعلى مدار تلك السنوات، عانت وزارة الشباب والرياضة من إهمال ممنهج، وجرى التعامل معها كموقع لتسكين الغاضبين وترضية الحركات المسلحة، لا كجهاز معني بأهم قطاعين في البلاد: الشباب والرياضة.
البنية التحتية الرياضية، التي يُفترض أن تضم الملاعب والصالات والمسابح والساحات، بالإضافة إلى الكادر البشري من ممارسين وإداريين وفنيين، ظلت على الهامش. شهدت هذه المنشآت تدهورا حادا، وتعرض العديد منها للبيع أو المصادرة، ما أدى إلى صدامات متكررة بين الدولة والمواطنين، وغابت عنها المعايير الدولية، الأمر الذي تسبب في ارتفاع معدلات إصابات الملاعب نتيجة رداءة المرافق والمعدات.
تنقسم الرياضة إلى شقين أساسيين: الأول هو “الرياضة للجميع”، ذات الطابع الترفيهي أو العلاجي أو التعويضي، وتستهدف مختلف فئات المجتمع وتحتاج فقط إلى مساحات مفتوحة داخل الحدائق العامة ومعدات بسيطة. أما الشق الثاني، فهو الرياضة التنافسية عالية المستوى، والتي تتطلب بنى تحتية بمواصفات دولية، من ملاعب وصالات ومسابح ومضامير، إلى جانب معدات وأدوات حديثة لمواكبة التطور العالمي في هذا المجال.
للأسف، ما هو متاح في السودان لا يفي بهذه المتطلبات، بل إن معظم المنشآت تفتقر للحد الأدنى من السلامة والمواصفات، ما يجعل من تطوير الرياضة تحديا كبيرا لا يمكن تجاوزه إلا بإرادة سياسية حقيقية واستراتيجية واضحة.
لقد طُرحت في العديد من المؤتمرات والمبادرات مقترحات قابلة للتنفيذ لا تتطلب ميزانيات ضخمة، بل القليل من الإرادة والاهتمام: إنشاء ساحات رياضية في الحدائق العامة، وضع قوائم خشبية أو حديدية وشبك للكرة الطائرة، طاولات إسمنتية لتنس الطاولة، مضامير مشي، وملاعب خماسية متنقلة. يمكن بدء هذه المبادرات على مستوى ولاية واحدة كتجربة أولى، ثم تعميمها تدريجيا على بقية الولايات.
أما فيما يخص المنشآت الكبرى، فقد طرحت فكرة تمويلها من خلال فرض رسوم رمزية على بعض المنتجات مثل السجائر أو التبغ، أو عبر ما يُعرف بـ”دولار المغترب”، وتوجيه هذه العائدات مباشرة إلى البنى التحتية الرياضية، أسوة بتجارب دول مجاورة كاليمن التي أنشأت ملاعبها من عائدات “ريال القات”. كما يمكن تفعيل الاتفاقيات الموقعة مع الدول الشقيقة والصديقة، وفتح باب الاستثمار المحلي والأجنبي في المجال الرياضي، ما يساهم في رفع مستوى الجودة عبر التنافس.
أما الكادر البشري الرياضي، فهو ملف لا يقل أهمية. فاختيار اللاعبين يجب أن يتم وفق معايير دقيقة، وكذلك الأمر بالنسبة للمدربين والحكام والفنيين المساعدين كمدربي الأحمال، وأخصائيي العلاج الطبيعي، والتغذية، والدعم النفسي والاجتماعي.
الإعلام الرياضي بدوره يحتاج إلى إعادة نظر، سواء أكان إعلاما تحليليا، خبريا، نقديا، أو إعلام مشجعين. فالتأهيل المستمر للعاملين في هذا المجال ضرورة ملحة، وينبغي أن يكون جزءا من أي خطة إصلاح رياضي شاملة، بما في ذلك التفاعل الإيجابي مع الجمهور وإشراكه في عملية التطوير.
في ظل هذا الواقع، فإن معظم الوزراء الذين تولوا حقيبة الشباب والرياضة، انشغلوا بالصراعات التقليدية في كرة القدم، وبخاصة مشكلات ناديي الهلال والمريخ، دون وضع سياسات طويلة الأمد. وغالبا ما يغادر الوزير منصبه قبل أن تتاح له فرصة فهم طبيعة التحديات، ناهيك عن وضع الحلول.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للرياضة السودانية من خلال رؤية وطنية متكاملة، تضع الشباب في قلب العملية التنموية، وتعيد للرياضة دورها التربوي والصحي والمجتمعي، قبل أن يكون تنافسيا.
والله الموفق والمستعان..


